إيران, اسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة, الأردن, الإمارات العربية المتحدة, البحرين, الجزائر, السعودية, السودان, الشرق الأوسط وشمال أفريقيا, الكويت, المغرب, اليمن, تقارير, تونس, سوريا, عمان, قطر, لبنان, ليبيا, مصر, موريتانيا, هجمات على الصحافة

المدونون في الشرق الأوسط: نبض الشارع يدخل إلى شبكة الإنترنت

أصبح التدوين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - حيث تحدث التغيرات السياسية ببطء - وسيلةً ذات ثقل للتعليق السياسي والاجتماعي، كما أصبح هدفاً للقمع الحكومي.;


نشرت في اليوم 14 تشرين الاول/ اكتوبر 2009

  

اعداد محمد عبد الدايم

قامت الحكومة الإيرانية قبيل انعقاد الانتخابات الرئاسية في حزيران/ يونيو

عملاء أمنيون يضربون متظاهرا في أعقاب الانتخابات المتنازع بشأنها التي جرت في حزيران/يونيو. ‏‏(وكالة الأنباء الفرنسية)‏

 بحجب ما يقرب من عشرة مواقع تعود لشبكات اجتماعية ومصادر إخبارية على شبكة الإنترنت اعتبرت أنها تؤيد مرشحي المعارضة. وقبل ساعات من فتح مراكز الاقتراع تعطلت خدمة الرسائل القصيرة عبر الهواتف المحمولة وبقيت كذلك لعدة أسابيع. وبعد يوم من الانتخابات، أوقفت الحكومة خدمات الهاتف المحمول لمدة يوم كامل.

تُظهر حملة التضييق - التي شنتها الحكومة ضد وسائل التواصل الرقمي قبل الانتخابات وبعدها - المدى الذي تنظر فيه الحكومة إلى الخطاب الإلكتروني بأنه يشكل تهديداً جسيماً لقبضتها على السلطة. حيث تم استهداف المدونين واعتقالهم في إطار جولات الاعتقال التي تلت الانتخابات وشملت أيضاً الطلاب والمحامين والصحفيين. وكان هناك ما لا يقل عن سبعة مدونين من بين عشرات الصحفيين الذين اعتُقلوا وسُجنوا لتغطياتهم الإخبارية وتعليقاتهم الصحفية.

تتصدر إيران قائمة ممارسي القمع على شبكة الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط، حيث تمزج بين الأساليب القديمة كالاعتقال والمضايقة وبين الأساليب الجديدة كحجب المواقع الإلكترونية وفرض الرقابة عليها، كما اتجهت بحزم نحو توسيع نطاق القيود القانونية المفروضة منذ زمن على الصحافة المقروءة والمذاعة لتشمل الإعلام على الإنترنت، بل وسعت لزيادة هذه القيود.

وإن هذه الأساليب التي تستخدمها السلطات الإيرانية على نحو صارخ يتم توظيفها بدرجات متباينة في جميع أنحاء المنطقة، من مصر إلى المملكة العربية السعودية ومن تونس إلى سوريا. وفي هذا الصدد، تُظهر دراسة مسحية أجرتها لجنة حماية الصحفيين على مدى عدة أشهر أن العديد من حكومات المنطقة تستخدم إستراتيجيات جديدة وأخرى قديمة ومعروفة لردع الصحفيين على الإنترنت، مما يشير إلى أن التدوين قد غدا جبهة حاسمة في النضال من أجل حرية الصحافة في المنطقة.

شهد التدوين ازدهاراً في منطقة الشرق الأوسط، وقد نجم ذلك عن معدل النمو غير المعتاد في نسبة استخدام الإنترنت من جهة، والقيود المتزايدة التي تفرض على وسائل الإعلام التقليدية من جهة أخرى. وقد دفع هذا الترابط بين الديموغرافيا والقمع الناشطين والصحفيين والمحامين وغيرهم إلى التوجه إلى شبكة الإنترنت ليعربوا عن معارضتهم وينقلوا المعلومات بطرق لم يكن ممكن تصورها في الماضي. وتفيد شركة إحصاءات الإنترنت العالمية - وهي شركة متخصصة في أبحاث السوق وتجميع البيانات على الإنترنت - بأن عدد مستخدمي الإنترنت في المنطقة قد تضاعف 13 مرة خلال الفترة بين عامي 2000 - 2008، متجاوزاً بفارق كبير الزيادة على المستوى العالمي - والتي بلغت الضعفين -  في الفترة نفسها، كما تشير تقديرات دراسة أعدها مركز بيركمان للإنترنت والمجتمع - وهو معهد بحوث بجامعة هارفارد - في حزيران/ يونيو 2009 إلى أن حيز المدونات الناطقة بالعربية يضم حوالي 35,000 مدونة يجري تحديثها بانتظام. أما حيز المدونات باللغة الفارسية، فتشير دراسة منفصلة أجراها المركز ذاته في عام 2009، إلى أنه يتألف من 70,000 مدونة نشطة، وهو عدد هائل دون شك. وقد غدت المدونات الإيرانية سائدة لدرجة أن محرك البحث الخاص بالمدونات وخدمة فهرستها "تكنوراتي" يصنف اللغة الفارسية - التي لا ينطق بها سوى 75 مليون إنسان في مختلف أنحاء العالم - من بين اللغات العشر الأكثر استخداماً في التدوين على شبكة الإنترنت.

تدافع لجنة حماية الصحفيين عن المدونين الذين تنطبق عليهم المفاهيم الصحفية الأساسية والتي تتلخص في أن يتسم عملهم بطبيعة إخبارية أو يقدم تعليقات تستند إلى مواد إخبارية. وفي حين أن معظم المدونات لا يفي بهذا المعيار الصحفي، إلا أن لجنة حماية الصحفيين وغيرها من المحللين يُقدِّرون إنَّ في المنطقة المئات - إن لم يكن الآلاف - من المدونات التي تخوض بشكل ناقد في قضايا تتعلق بالصالح العام، وهي القضايا التي لا تستطيع وسائل الإعلام التقليدية تناولها في معظم الأحيان لكونها مكبلةً بملكيتها للحكومة أو خاضعةً لمحظورات صارمة ومزمنة.

من هؤلاء المدونين الذين تدافع لجنة حماية الصحفيين عنهم المدون المصري وائل عباس الذي شرع في التدوين في شباط/ فبراير 2005.

وائل عباس، الحائز على جائزة نايت الدولية للصحافة في عام 2007، تعرض لتهديدات بسبب قيامه بنشر ‏معلومات على مدونته حول التعذيب الذي تمارسه الشرطة. (المركز الدولي للصحافة)‏

فقد تمكن وائل من خلال التركيز على القضايا المحلية من اجتذاب عدد متواضع من القراء المناصرين له أثناء سنته الأولى في التدوين. ولكن عندما قام بنشر شريط مصور يُظهر ارتكاب الشرطة للتعذيب في عام 2006 أحدث ضجة هائلة غيرت معالم التدوين في المنطقة. فلطالما سمع المصريون منذ زمن طويل حكايات عن التعذيب في الاحتجاز، إلا أن الشريط المصور قدم الدليل على ذلك. وقد قاد هذا الشريط وغيره من التسجيلات المصورة التي عرضها وائل وغيره والتي كانت في نهاية الأمر بمثابة أدلة دامغة على إدانة عدد من ضباط الشرطة. وبحلول تشرين الثاني/نوفمبر 2008 كان الملايين قد زاروا مدونة وائل عباس على حد قوله.

يقول وائل: "أغطي هذه المواضيع لأنني أجد نقصاً في تغطيتها" في وسائل الإعلام الأخرى. ويحظى وائل، الحاصل على عدة جوائز دولية في مجالي الصحافة وحقوق الإنسان، بمكانة عالية كفيلة بردع السلطات عن اتخاذ أقسى الإجراءات الانتقامية بحقه، ومع ذلك فقد جرى احتجازه وتفتيشه ومضايقته مرتين في مطار القاهرة وصودر حاسوبه المحمول أثناء إحداهما. وقد أخبر وائل لجنة حماية الصحفيين بأنه تلقى تهديدات هاتفية متكررة، وتم اقتياده من الشارع واحتجازه لساعات، وأنه تم القدح فيه ونعته بالمجرم على شاشات التلفاز وصفحات الإنترنت، مما جعل من الصعب عليه الحصول على وظيفة منتظمة.

يقول محمد خالد، وهو أحد المدونين المصريين ممن قاموا بنشر تسجيلات مصورة لعمليات تعذيب، إنه شعر بأنه مضطر لقبول مخاطرة التعرض للمضايقة، حيث قال لدى رؤيته صور التعذيب للوهلة الأولى: "لم أستطع أن أصدق عيني. كان يتحتم على الناس رؤية هذه البربرية... فالأمر يستحق المخاطرة."

القوانين والأطر التنظيمية

تحكم التدوين أنظمة ولوائح متداخلة تختلف باختلاف البلدان في المنطقة. وتطبق إيران أكثر الأنظمة إسهاباً في القيود القانونية المركبة، إلا أن جميع دول المنطقة تعتمد فعلياً على ثلاثة أنواع أساسية من القوانين لتقييد حرية التعبير على الإنترنت: أحكام قانوني الصحافة والعقوبات القائمَين منذ زمن؛ وقوانين الطوارئ؛ والقوانين والمراسيم حديثة العهد الخاصة بالإنترنت.

تحفل قوانين العقوبات وقوانين الصحافة في المنطقة عادةً بأحكام مبهمة تُجرِّم توجيه النقد إلى الحكومات فضلاً عن المواد التي تعتبر مهينة للشخصيات الدينية والمسؤولين العامين. ففي سوريا قبع المدون كريم عربجي - الذي اعتقل في حزيران/ يونيو 2007  - في السجن حتى أيلول/ سبتمبر 2009 عندما حكمت عليه محكمة أمن الدولة أخيراً بالحبس لثلاث سنوات بتهمة "نشر أنباء كاذبة تضعف الشعور القومي" وفقا للمادة 286 من قانون العقوبات السوري. واستناداً لما أفادته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، فقد زعم كريم عربجي أنه تم انتزاع اعترافات منه تحت التعذيب وغيره من أشكال الإكراه. وقد وصف المركز السوري للإعلام وحرية التعبير القضية المرفوعة ضد كريم بأنها لا أساس لها.

وفي إيران، يحظر قانون الصحافة نشر أي شيء "يروج لمواضيع قد تلحق الضرر بأساس الجمهورية الإسلامية" أو "يُروِّج للبذخ والترف." وقد أدت التعديلات التي أُدخلت على القانون في عام 2000 إلى توسيع نطاقه ليشمل كافة أشكال وسائل الإعلام الإلكترونية.

المدون المصري كريم عامر، يقضي حكماً بالسجن لمدة أربع سنوات لإدانته "بإهانة الإسلام". (رويترز)‏

 تمهيداً لحملة التضييق الشاملة التي جرت هذا العام، قامت السلطات الإيرانية بسجن ما لا يقل عن 23 مدوناً وصحفياً ناشطاً على الإنترنت خلال فترة لم تتجاوز أربعة أشهر في عام 2004. وقد وجهت لمعظمهم تهما ً تستند إلى خروقات أمنية متنوعة بما فيها التجسس، في حين اتُهِم الآخرون بارتكاب مخالفات أخلاقية. وقد تعرض بعضهم للتعذيب وأُرغموا على الإدلاء "باعترافات" زائفة، وفقاً لتقارير صحفية ومقابلات أجرتها لجنة حماية الصحفيين مع عدة مدونين. وقد أُطلق سراح معظمهم بعد تقديم كفالات مرتفعة القيمة، ولكن بقي أربعة من المدونين، ممن تعرضوا للتعذيب، قيد الاحتجاز ولم يُطلق سراحهم إلا بعد أن وافقوا على كتابة رسائل تشهد على حسن معاملتهم أثناء فترة احتجازهم و"الاعتراف" ببعض التهم الموجهة إليهم أو بها جميعا.

أما في سوريا فتم توسيع نطاق قانون الصحافة ليحظر على المطبوعات الإلكترونية نشر المواد السياسية ما لم يكن الموقع مرخصاً له القيام بذلك. ويترتب على نشر "الأكاذيب" أو "التقارير الملفقة" عقوبة السجن والغرامة.

تلجأ السلطات المصرية إلى قانون الصحافة لعام 1996 والذي يسمح بإقامة محاكمة جنائية لجريمة "نشر أنباء كاذبة" وهي جريمة ضبابية المعالم. كما تستند أيضاً إلى قانون العقوبات الذي يحظر نشر المواد التي تعتبر مهينة. وفي هذا السياق، يقضي المدون كريم عامر حكماً بالسجن لأربع سنوات بعد أن أدين في عام 2007 بتهمة إهانة الإسلام والرئيس وفقاً لأحكام قانون العقوبات. وكان كريم عامر قد سخر في كتاباته المنشورة من سلطة الرئيس والمؤسسات الدينية في مصر. ووفقاً لأبحاث لجنة حماية الصحفيين، فقد مثلت قضية كريم المرة الأولى التي يخضع فيها مدون مصري للمحاكمة ويُحكم عليه صراحةً بسبب كتاباته على شبكة الإنترنت.

كما تعمد مصر وسوريا إلى تضييق الخناق على التدوين باستخدام قوانين الطوارئ التي لا توفر سوى القليل من الحمايات الدستورية. حيث يمنح القانون في سوريا سلطات واسعة لرصد "جميع أشكال التعبير" وتعطيلها ويسمح للسلطات بمحاكمة المجرمين في محكمة عسكرية على خلفية جرائم مبهمة مثل "الجرائم التي تمثل خطراً على وجه العموم". وتظهر أبحاث لجنة حماية الصحفيين أن ما لا يقل عن 11 مدوناً سورياً قد أدينوا في ظل قانون الطوارئ، وأمضى العديد منهم بعض الوقت في السجن.

يتجلى تعسف قوانين الطوارئ في حالة مسعد أبو فجر، وهو مدون وكاتب مصري وناشط في المجتمع البدوي يتناول في مدونته "ودنا نعيش" المشاكل الاجتماعية والسياسية. ألقي القبض على أبو فجر في عام 2007 واتُهم بموجب قانون الطوارئ بطائفة من المخالفات وبالتحريض على الشغب والقيادة من دون رخصة. وفي شباط/ فبراير 2008 تمت تبرئته ولكن لم يطلق سراحه حتى الآن. وقد صدر حتى اللحظة ما لا يقل عن 13 أمراً قضائياً يقضي بالإفراج عن أبو فجر. وبما أن وزارة الداخلية لا تستطيع خرق أوامر المحكمة مباشرة، فإنها تستخدم قانون الطوارئ بالمقابل كوسيلة للالتفاف حولها. فحالما يصدر أمر بإخلاء سبيل أبو فجر - وقبل أن يحظى بالوقت الكافي ليغادر زنزانته – تعمد الوزارة إلى إصدار أمر إداري جديد يقضي بمواصلة احتجازه. وتتيح أحكام قانون الطوارئ للحكومة استخدام هذه الاستراتيجية عددا ً غير محدد من المرات.

اتجهت بعض البلدان بصدارة إيران نحو العمل بقوانين أو مراسيم تنظم صراحةً التعبير على الإنترنت. وفي هذا العام، وافق مجلس صيانة الدستور في إيران، وهو هيئة مكلفة بجملة أمور منها الإشراف على الانتخابات وتفسير الدستور وتتألف من 12 عضوا ً واسع النفوذ، على قانون عقوبات جرائم الفضاء الإلكتروني، وقد دخل حيز النفاذ في شهر تموز/ يوليو. ويتيح هذا القانون - من خلال مطالبته لمزودي خدمة الإنترنت بالاحتفاظ بسجلات لكافة بيانات العملاء لمدة ثلاثة أشهر على الأقل - الفرصة للحكومة لجمع معلومات عن المستخدمين وممارساتهم على الإنترنت بطريقة أكثر كفاءة وفعالية. وترقباً لاستقبال كمٍ هائلٍ من العمل، أعلن الجهاز القضائي عن استحداث شعبة منفصلة ضمن مكتب المدعي العام للتعامل مع الجرائم المصنفة ضمن إطار قانون عقوبات جرائم الفضاء الإلكتروني.

وثمة تشريع آخر مثير للقلق لا يزال في طور التداول والنقاش إذ سيجعل من التعبير على الإنترنت في حال تم إقراره "مخالفة مشيئة الله" يعاقب عليها بالإعدام. وقد حاز مشروع القانون هذا على موافقة اللجنة البرلمانية المختصة في شباط/ فبراير ولا يزال بانتظار إقرار البرلمان ومجلس صيانة الدستور له. وتتجاوز العقوبة التي ينص عليها هذا القانون الأحكام الموازية في قانون الصحافة.

كما تقوم حكومات أخرى في المنطقة بتفصيل قوانين للصحافة الإلكترونية.

آية الله أحمد جنتي، رئيس مجلس صيانة الدستور، أقر في هذا العام قانوناً يفرض عقوبات متشددة على ‏الجرائم المتعلقة بالفضاء الإلكتروني. (مرتضى نيكوبازل/ رويترز)‏

 فقد سنّت دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2006 قانوناً لمكافحة الجرائم المتصلة بالفضاء الإلكتروني يفرض غرامة مقدارها 20,000 درهماً (ما يعادل 5,400 دولار أمريكي) وعقوبة بالحبس تصل إلى عام واحد على عدد من الأفعال التي ترتكب على الإنترنت وتفتقر إلى تعريف واضح غير مبهم. ومن الأمثلة على ذلك "إلغاء أوتدمير أو إفشاء أسرار أو إعادة نشر المعلومات الشخصية أو الرسمية،" أو إهانة الدين أو القيم الأسرية. وفي عام 2007، أدين رجلان كانا يديران منتدى على شبكة الإنترنت وحُكم عليهما بغرامة بموجب القانون لسماحهما لأحد المعلقين بنشر ما زُعم أنه مواد تتضمن قذفاً وتشهيراً.

أما تونس وسلطنة عُمان والأردن فثمة أوامر شفهية أو مراسيم مكتوبة تمدد المسؤولية المدنية والجنائية إلى مزودي خدمة الإنترنت وأصحاب مقاهي الإنترنت، وأصحاب خوادم الإنترنت، مما يضطرهم إلى رصد المخالفات والإبلاغ عنها. وبغية تنظيم استخدام شبكة الإنترنت، تستند المملكة العربية السعودية إلى قرار صادر من مجلس الوزراء في عام 2001 يحمل وزن المرسوم التنفيذي، ويحظر القرار على جميع مستخدمي الإنترنت نشر "ما يتعارض مع الدولة أو نظامها" أو الوصول إليه.

وفي مصر، استحدثت وزارة الداخلية في عام 2002 ماسمته إدارة جرائم الحاسب الآلي و شبكة المعلومات. وفي حين تم تصميم هذه المديرية ظاهرياً لمكافحة جرائم الإنترنت، إلا إنها انخرطت في "ملاحقة المدونين ونشطاء الإنترنت واختراق حساباتهم الشخصية واستغلال ما يكتبون كدليل إدانة ضدهم"، كما أعرب شاكياً المدون المصري مصطفى النجار.

التخويف والاعتقالات والمضايقات

إن المدونين بحكم طبيعتهم أكثر عزلة وبالتالي أكثر عرضة للهجمات من نظرائهم العاملين في وسائل الإعلام الأخرى. فغالباً ما يعملون لحساب أنفسهم كأفراد ولا يتمتعون بدعم تنظيمي – بما يقتضيه من وجود المحامين وتوفر الأموال – الذي يمكن أن يساعد في حمايتهم من المضايقات. وقد بدأ المدونون الآن فقط بتشكيل منظمات مهنية كتلك التي أنشأها الصحفيون في وسائل الإعلام الأخرى كمحاولة للتصدي للتدابير القمعية.


المدون محمد عبو تعرض لحملة تشهير شرسة . (صلاح حبيبي/ وكالة الأنباء الفرنسية)‏

 رغم إنه ما زال يتعين جمع بيانات إقليمية شاملة، كشفت أبحاث أجرتها لجنة حماية الصحفيين وغيرها من الجماعات الحقوقية عن تعرض المدونين إلى المضايقة والترهيب والاحتجاز في مئات الحالات في السنوات الأخيرة. وفي حين قد تتباين الأساليب التي تتبعها السلطات من أجل ثني المدونين إلا إن الغاية من ورائها تبقى واحدة في الغالب وهي إقناع المدون بأن كلفة الدخول في معركة مع الدولة تفوق كثيراً أي فائدة ترجى.

ومن الأساليب المفضلة لدى السلطات هو استخدام استدعاءات الشرطة المتكررة وغير المبررة؛ حيث باتت الشرطة والأجهزة الأمنية المصرية تألف هذه الممارسة وتنجذب إليها. وفي هذا الصدد، قالت المحامية مروة مصطفى - التي تعمل بوحدة المساعدة القانونية في مجال حرية التعبير التابعة للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في القاهرة - للجنة حماية الصحفيين إنها وزملاءها قد تعاملوا خلال الأشهر الستة الأولى من عمر الوحدة التي أنشئت في عام 2008 مع 160 قضية سببها مضايقة المدونين.

عمدت السلطات أيضاً إلى ترهيب المدونين عن طريق استهداف أسرهم. فحينما فرّ المدون الإيراني سينا مطلبي من البلاد في عام 2004، ألقت السلطات القبض على والده لإجباره على العودة أو على الأقل التوقف عن التدوين. (توقف سينا مطلبي عن التدوين لبعض الوقت ولكنه استأنف نشاطه في نهاية المطاف). وعلمت لجنة حماية الصحفيين من المدون التونسي مختار اليحياوي، الذي كان قاضياً ذات مرة وأصبح مدوناً عقب فصله من عمله لانتقاده افتقار القضاء للاستقلالية، بأن ابنته التي كانت تدرس في باريس قد انتظرت أشهرا عديدة لتجديد جواز سفرها وهو أمر يُفترض أن يكون يسيراً.

ويُظهر بحث لجنة حماية الصحفيين كذلك قيام الحكومات وعملائها باللجوء إلى أساليب تشويه سمعة المدونين لتجريدهم من مصداقيتهم. فقد دبرت السلطات التونسية هجمات شرسة ضد المدونين، حيث شنت صحف ومواقع إلكترونية مدعومة من الحكومة في حزيران/ يونيو على سبيل المثال هجمات بذيئة على محامي حقوق الإنسان وصحفي الإنترنت محمد عبو استهدفت ممارساته الجنسية. وفي مصر، أثار أحد الصحفيين العاملين في صحيفة مملوكة للحكومة الرأي العام ضد المدون عبد المنعم محمود الذي قام بكشف مخالفات وقعت في سياق إحدى المحاكمات العسكرية، واصفاً إياه بأنه تهديد للأمن القومي ويتعين القبض عليه.

يعتبر المنع من السفر وغيره من القيود المفروضة على حرية التنقل من الأساليب القديمة التي كيّفتها ولاءمتها الحكومات لكبح جماح المدونين المزعجين. ويعد المدون والناشط الإيراني عماد الدين باقي، الذي سبق له وأن قضى ثلاث أحكام بالسجن واستدعي إلى المحكمة عشرات المرات منذ عام 2003، واحدا من العديد من المدونين الإيرانيين الممنوعين من السفر إلى خارج البلاد. وتشكل حالة عبد الله الزواري مثالاً آخر، فهو مراسل تونسي قضى 11 عاماً في السجن بسبب عمله الصحفي وعانى لسبع سنوات من "الرقابة الإدارية" التي فرضتها الحكومة عليه عقب إطلاق سراحه في عام 2002 وشروعه في التدوين. وبموجب هذا الشكل من أشكال الإقامة الجبرية المنزلية، وضعته الحكومة في منزل يبعد 300 ميل عن أسرته، وقيَّدت حركته، وحدَّت من قدرته على العمل، ومنعته من ارتياد مقاهي الإنترنت، ووضعته تحت مراقبة الشرطة المتواصلة. وقد انتهت محنته أخيراً في آب/ أغسطس حينما سمحت له السلطات بالانضمام إلى أسرته. وفي السياق نفسه، امتنعت السلطات عن إصدار جواز سفر للصحفي والمدون التونسي سليم بوخذير منذ نوفمبر 2007، في حين منعت المحامي والمدون التونسي محمد عبو من السفر خارج البلاد في سبع مناسبات بين 2007 وحزيران/ يونيو 2009 حتى سُمح له أخيراً بالمغادرة.

وعندما تفشل هذه الأساليب في ثني المدونين الناقدين عن الكتابة، تبدي الحكومات استعدادها للانتقاء من أولئك الذين يعبرون عن آرائهم الناقدة على شبكة الإنترنت وزجّهم في السجن.

يحقق سجن المدونين غرضاً مزدوجاً، إذ إنه لا يسكت المدون فحسب بل إن اعتقاله يُرهّب الآخرين. 

ثار غضب العديد من التونسيين بسبب سجن المدون زهير يحياوي. وفي هذه الصورة التي التقطت في عام ‏‏2003، يقف القاضي مختار اليحياوي بجانب ملصق ابن شقيقه المحتجز. وقد توفي زهير اليحياوي بعد ‏فترة وجيزة من خروجه من السجن. (محمد حامي/ رويترز)‏

 وفي هذا الصدد، أخبر المدون الإيراني والمعتقل سابقاً سينا مطالبي الحاضرين في محاضرة أقامتها منظمة العفو الدولية في حزيران/ يونيو 2007 بأن الذين حققوا معه بدوا عازمين على إظهار الثمن الذي يترتب على التدوين. حيث قال إن أحد المحققين أخبره: "تترتب على التدوين أثمان باهظة، ونحن نريد أن نجعلك مثالاً على ذلك. نعم، نحن لا نستطيع أن نتعقب كل مدون ينتقد حكومتنا ولكننا قادرون على إخافتهم."

ويعد هذا الوضع شائعاً. ففي عام 2006، تم اعتقال المدون المصري علاء عبد الفتاح لمدة 45 يوماً دون توجيه تهم له بعد أن أعرب في مدونته عن دعمه للقضاة الإصلاحيين ودعا إلى تحسين مراقبة الانتخابات. وكان علاء من بين العديد من المدونين المصريين الذين يعربون عن مواقف من هذا القبيل لكنه استُهدِف على ما يبدو بسبب شهرته. وفي سوريا، جرى اعتقال المدون طارق بياسي في عام 2007 بسبب تعليق واحد له ينتقد فيه الأجهزة الأمنية. وبعد مرور عام على اعتقاله، أدانته محكمة أمن الدولة بتهمة "إضعاف الشعور القومي" وحكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات.

أما عن معاملة المدونين المسجونين، فتمتلك العديد من الحكومات في المنطقة سجلاً مشيناً في هذا المجال. فقد أخبر عدد من المدونين البارزين لجنة حماية الصحفيين ومنظمات إخبارية وجماعات حقوق إنسان عن تعرضهم للتعذيب أثناء الاحتجاز. وفي عام 2004، أخبر المدون التونسي البارز زهير يحياوي، الذي سبق وأن أدين بنشر معلومات كاذبة، لجنة حماية الصحفيين بإنه احتمل معاملة مروعة اشتملت على تعليقه من السقف وركله وصفعه وتسديد اللكمات له. إضافة إلى أن ما كان يقدم له من طعام كان فاسداً في حين كانت الزنزانات قذرة والرعاية الصحية دون المستوى. وقد أضرب زهير يحياوي عن الطعام عدة مرات احتجاجاً على المعاملة التي تعرض لها على مرّ 531 يوماً قضاها خلف القضبان. وبعد ستة عشر شهراً من إطلاق سراحه، توفي زهير عن عمر ناهز 36 عاماً إثر نوبة قلبية.

أما المدون الإيراني أوميد رضا ميرصيافي والذي أدين بتهمة إهانة الحكومة والزعماء الدينيين فلم يكن سوى في شهره الأول الذي يقضيه من أشهر سجنه الثلاثين حين زُعم أنه انتحر. ولم تنشر السلطات أي تفاصيل حول الوفاة ورفضت السماح بتشريح جثته. وتظهر صورة نشرتها خدمة الأخبار الناطقة بالفارسية والتابعة لصوت أمريكا بأن ميرصسيافي قد عانى من كدمات منتشرة في أنحاء جسده.

هجوم تكنولوجي

 يتخذ تدخل الحكومات أربع أشكال أساسية: حجب المحتوى الذي يراه المتصفح المحلي أو ترشيحه؛ وحذف المواد المسيئة من المواقع التي تبث محلياً؛ وترشيح الاتصالات الإلكترونية؛ ومراقبة الاتصال الإلكتروني. وتعمل الكثير من بلدان المنطقة جاهدة، ولا سيما المملكة العربية السعودية وإيران وتونس على ترشيح، المحتوى على الإنترنت استناداً لما تفيده مبادرة الشبكة المفتوحة وهي شراكة أكاديمية تُعنى بدراسة الرقابة المفروضة على الإنترنت. كما تنهمك كل من اليمن والسودان وسوريا بعمليات واسعة لترشيح المحتوى على الإنترنت ولكنها أكثر انتقائية، في حين يقوم المغرب والأردن بترشيح نسبة ضئيلة من ذاك المحتوى لأسباب سياسية، بينما تفيد مبادرة الشبكة المفتوحة أيضاً بأن مصر والجزائر ولبنان والعراق نادراً ما تقوم بترشيح المحتوى، وقد لا تعمد إلى ذلك إطلاقاً.

تمر حركة المعلومات على شبكة الإنترنت في إيران ومصر وتونس والمملكة العربية السعودية والجزائر ودولة الإمارات العربية المتحدة عبر خوادم تسيطر عليها الدولة مما يسهل مراقبة المحتوى أو إيقافه وحجبه. وفي حين أن بعض البلدان مثل مصر قد لا تقوم بترشيح البيانات إلا إنها تراقبها. يقول المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد إن المعلومات التي تُجمع أثناء مراقبة حركة مرور البيانات الرقمية تجري مشاطرتها مع أجهزة الدولة بانتظام وتُستخدم بغية تحديد أهداف لغرض اتخاذ إجراءات قانونية بحقها.

توظف الحكومتان الإيرانية والتونسية من خلال أنظمتهما المعقدة والقائمة بهدف رصد المحتوى وترشيحه التكنولوجيا لتحقيق هدفين: مراقبة المعلومات أو اعتراضها أو تغييرها، وثانياً حجب المحتوى الإلكتروني. وفي حزيران/ يونيو، أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن إيران قد حصلت عن طريق شركة نوكيا سيمنز على نظام للمراقبة يُمكِّن المشغلين من التعرف على البيانات وتعقبها وقطعها بما في ذلك المحادثات عبر الهواتف المحمولة والرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني وغيرها من المواد على شبكة الإنترنت. وفي هذا الصدد، صرح مدير شؤون شركة شبكات نوكيا سيمنز لاوري كيفينن إن النظام مصمم لمراقبة الاتصالات الهاتفية الصوتية المحلية فقط، مشيراً مع ذلك إلى إمكانية "إساءة استعمال" أي نظام من قبل المشغلين.

يعتبر نظام الترشيح في إيران شديد التغلغل والانتشار حتى إنه حدا بالعديد من الصحفيين وخبراء الاتصالات إلى منحه المرتبة الثانية عالمياً بعد النظام المطبق في الصين. فمنذ مطلع العام 2001، أمرت الحكومة مزودي خدمة الإنترنت بترشيح المحتوى على الإنترنت. ولذا استحدثت الحكومة في عام 2002 لجنةً مشتركة بين الوكالات وكلفتها بالقيام دورياً بتقديم قائمة شاملة بعناوين المواقع الإلكترونية التي ينبغي حجبها والكلمات الرئيسية التي يتعين ترشيحها وفقاً لهيئة تنظيم الاتصالات الإيرانية. كما شرعت إيران في تطوير تكنولوجيا لتحديد المواقع الإلكترونية والمدونات غير المرغوب بها وحجبها.

يظهر البحث الذي أجرته لجنة حماية الصحفيين إن النشطاء والمعارضين والمدونين التونسيين ما انفكوا يشتبهون في قيام الحكومة بالتدخل في اتصالاتهم الرقمية، فكثيراً ما لا تظهر رسائل البريد الإلكتروني المرسلة إليهم من مصادر معينة في صناديق بريدهم الوارد أو تصل مُغيَّرةً أو متأخرة. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2008، قام مخربون مجهولون باختراق موقع "كلمة" الإخباري التونسي المستقل على الإنترنت الذي يبث من فرنسا وقاموا بإغلاقه وتدمير ثماني سنوات من الأرشيف. وبخصوص هذه الحادثة، علق مدير تحرير الموقع لطفي حيدوري بقوله إن "المستفيد الوحيد من هذا الهجوم هو السلطات." ويخضع موظفو موقع "كلمة" الذي ينشر انتقادات لاذعة للحكومة وقصص عن التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان إلى الاحتجاز والمضايقة بانتظام.

تحجب المملكة العربية السعودية، والتي تمتلك أحد أكثر أنظمة الترشيح شمولاً في العالم، العديد من المدونات فضلاً عن المواقع الدينية والسياسية وتلك المعنية بحقوق الإنسان والمواقع التي تقدم خدمة الترجمة الإلكترونية على الإنترنت وخدمة البروكسي. وتقوم بلدان أخرى في المنطقة بتوظيف برمجيات الترشيح المتوفرة تجارياً للتعرف إلى المحتوى وحجبه وذلك بدرجات متفاوتة من الفعالية. فعلى سبيل المثال، يحجب المغرب على نحو فعال المواقع التي تنتقد العائلة المالكة أو تدعوا من أجل استقلال الصحراويين في الصحراء الغربية. أما نظام الترشيح المستخدم في اليمن، فهو وإن كان أقل شأناً من الناحية الفنية، إلا إنه يتسم بالشمول على حد تعبير مبادرة الشبكة المفتوحة. وفي البحرين حيث خضع المحتوى السياسي والاجتماعي منذ سنوات إلى الترشيح بطريقة عشوائية، صدر أمر في كانون الثاني/ يناير 2009 يحتم على مزودي خدمة الإنترنت حجب المواقع الإلكترونية بموجب إشعار صادر من وزارة الثقافة والإعلام. وبحلول أيلول/ سبتمبر تم حجب أكثر من 1,000 موقع إلكتروني وفقاً لما أفاده مركز البحرين لحقوق الإنسان ولجنة حماية الصحفيين.

التدوين في عام 2010 وما بعده

امرأة في مقهى للإنترنت في غرب طهران. (رويترز)‏

 أصبحت المدونات تزاحم في بعض الأحيان وسائل الإعلام التقليدية بفضل الانتشار الواسع والسريع للإنترنت. وهذا ينطبق بشكل خاص على القضايا الحساسة كالتحرش الجنسي والتعذيب وفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز، حيث قام المدونون برفع سقف الحرية في تناول هذه المواضيع وتوفير غطاء للصحفيين التقليديين.

يقول مدير تحرير في صحيفة "الدستور" اليومية المصرية خالد السرجاني إنه "لا يمكن لبعض المواضيع أن تظهر على صفحات الجرائد بسبب الثقافة المحافظة السائدة. فإن قمت بنشرها ستنهمر الشكاوى من القراء، حتى وإن لم يكن ثمة اعتراض من السلطات. لكن المدونين ليسوا ملزمين بالانصياع للرقابة الثقافية؛ إذ يتسم قراؤهم عموماً بكونهم أكثر تقدمية. فعندما يثير المدونون قضايا معينة يصبح لها موطئ قدم وحينها يصبح تناولنا لها وحديثنا عنها أكثر قبولاً".

تعكس ظاهرة التدوين في بعض نواحيها ظاهرة ظهور محطات التلفزة الفضائية في وقت سابق، والتي تعد أيضاً وسيلة أخرى عابرة للحدود تتحدى وسائل القمع المتيسرة للحكومات. يعمل التدوين على تقويض احتكار الدولة لوسائل الاتصال الجماهيري وهو ما قامت به سابقاً القنوات التلفزيونية الفضائية ونجحت في تحقيقه إلى درجة كبيرة. فلا تستطيع الحكومات أن تسيطر على المطابع وشبكات التوزيع ومتطلبات الاعتماد والتراخيص بفعالية كما فعلت مع الصحافة المطبوعة والبث الأرضي. كما يُعدّ إقبال جماهير متزايدة على قراءة المدونات الصحفية وكذلك الطبيعة غير المحدودة للتدوين وقلة العوائق أمام دخول الصحفيين إلى عالم التدوين فضلاً عن الصعوبات التي تواجهها الحكومات في التحكم بوصول المدونات إلى القراء (فحتى المواقع المحجوبة محلياً يمكن الدخول إليها عن طريق خوادم البروكسي) من بين الأسباب الرئيسية الداعية للتفاؤل بمستقبل التدوين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وهذا لا يعني أن المدونين الأفراد أو ممارسة التدوين الصحفي سوف تتغلب حتماً على القمع الحكومي. فالمدونون الأفراد يواجهون تهديدات هائلة، حتى أن وسيلة التدوين برمتها تواجه تحديات كبيرة، إذ تعكف الحكومات على نحو متزايد على وضع قوانين جديدة لتنظيم الإنترنت وتعديل القوانين القديمة لتشمل التعبير على الإنترنت. كما أخذت السلطات بالفعل تستغل الطبيعة الانعزالية للمدونين وعدم وجود الحماية المؤسسية لصحفيي الإنترنت. في حين أن الحكومات مستعدة لاتخاذ إجراءات قاسية عند شعورها بأن سلطاتها في موضع تهديد وذلك كما أظهر النظام الإيراني هذا العام.

إلا إن إفراط الحكومات في ذلك قد يأتي بنتائج عكسية، كما حصل مع المدون التونسي زهير يحياوي والمصري علاء عبد الفتاح. فقد كان يحياوي ذا شعبية حتى قبل أن يُزج به في السجن ولكن حبسه ووفاته المبكرة جعلا منه شهيداً لحرية التعبير المغتصبة في تونس. أما عبد الفتاح والذي لم يكن ذا شهرة خارج دائرة المدونات فقد بات بين عامة الناس رسولاً للإصلاح بعد احتجازه لستة أسابيع.

وتشير وتيرة الابتكار التقني أيضاً إلى أن في كل مرة تمنح التكنولوجيا أو القوة الغاشمة أو الأنظمة القضائية المُسيَّسة الغلبة للحكومات فإن تحقيق تقدم مناهض يغدو ممكناً بالمقابل. إذ تستطيع أي حكومة أن تنفق موارد طائلة في سبيل التدابير التقنية لقمع التدوين الناقد إلا إن هذه التدابير ستنقلب دونما نفع أو فائدة وتبطل فعاليتها على يد المبرمجين واسعي الحيلة. يتصدر العديد من المدونين في المنطقة الطليعة فيما يتعلق بالابتكارات لمساعدة صحفيي الإنترنت وقرائهم في الالتفاف على القيود التي تفرضها الحكومة. قال المدون المصري حسام الحملاوي الذي تستأثر مدونته بعدد كبير من القراء، للجنة حماية الصحفيين إن المدونين "يستوعبون ثقافة أدوات الجيل الثاني من الإنترنت والتي من شأنها أن ترتقي بعملنا بطرق لم نكن لنتصورها من قبل." وتعكف مجموعة من المدونين المصريين من مبرمجي الكمبيوتر وعلى رأسهم عمرو غربية على نشر المعرفة التقنية عن طريق المدونات و ورش العمل. وقد طور مدون تونسي يكتب تحت اسم "أستروبال" أداة لمساعدة "الذين يعيشون في ظل أنظمة قمعية" في معرفة صفحات الإنترنت المحظورة في بلدانهم. (مدونة أستروبال نفسها محظورة في بلده الأصلي).

ولكن لا بد وأن يصحب التدابير التقنية تضامن مهني. فمن أجل مقاومة القمع الحكومي، يتعين على المدونين والمدافعين عنهم الاعتراض بصوت واحد على القوانين المتعسفة، والتكلم بقوة نيابة عن الزملاء الذين يتعرضون للمضايقة والسجن، وتثقيف قرائهم وكسب تأييدهم. وقد بدأ المدونون الآن في اتخاذ هذه الخطوات. وثمة عدد متزايد من جمعيات المدونين تسعى إلى التحدث بصوت واحد؛ وجماعات وطنية وإقليمية مكرسة للدعوة والمناصرة نيابة عنهم، وعدة مبادرات محلية داعية إلى شبكة إنترنت حرة وغير خاضعة للرقابة. أما بالنسبة للهدف فهو نفسه كما كان بالنسبة للأجيال السابقة العاملة في الصحف ومحطات البث، ألا وهو إقرار ثمن سياسي باهظ تدفعه أي حكومة تلجأ إلى التدابير القمعية القاسية.

محمد عبد الدايم هو منسق برامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى لجنة حماية الصحفيين. يستند هذا التقرير جزئياً إلى إحدى بعثات لجنة حماية الصحفيين الموفدة إلى مصر.

التوصيات

إلى حكومات المنطقة:

·        تعديل الأحكام القانونية التي تُجرّم حرية التعبير على الإنترنت سواءً في قانون العقوبات أو قانون الصحافة أو قوانين أخرى، بحيث تتماشى هذه الأحكام مع المعايير القانونية الدولية. وكذلك الإفراج عن جميع الأفراد الذين يقضون أحكاماً بالسجن لإبدائهم آراء ناقدة على الإنترنت.

·        ضمان توافق القوانين الخاصة بشبكة الإنترنت مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

·        وضع حد للرقابة المفروضة على الاتصالات الإلكترونية الخاصة ما لم تكن مشفوعةً بأمر من المحكمة يستند إلى ضرورة تتعلق بالأمن القومي أو إنفاذ القانون. ولا بد من تفسير هذه الرقابة المشروعة  بدقة وألا تُمنح إلا بهدف تلبية حاجة ملحة ومحددة وغير مفتوحة.

·        إلغاء الالتزامات القانونية التي تفرض على مزودي خدمة الإنترنت وأطراف ثالثة أخرى رصد استخدام العملاء لشبكة الإنترنت ورفع تقرير بهذه المعلومات إلى السلطات.

إلى شركات التكنولوجيا:

·        يجب على الشركات البائعة للتكنولوجيا التي يمكن استخدامها في التعرف على المدونين واستهدافهم أن تضمن ألا يتم استخدام منتجاتها من قبل الحكومات في تقييد حرية التعبير على الإنترنت. وينبغي لهذه الشركات تقييم الأثر المترتب على حقوق الإنسان قبل إجراء هذه المبيعات، وذلك على النحو الذي حددته مجموعة المبادئ التي وضعتها مبادرة الشبكة المفتوحة والتي تسعى إلى أن تحترم شركات التكنولوجيا المعايير الدولية لحرية التعبير.

إلى حكومة الولايات المتحدة:

·        في إطار كافة التعاملات مع الدول التي تضايق المدونين أو تلاحقهم قضائياً، ينبغي على ممثلي الحكومة الأمريكية التحدث علناً لصالح الأفراد الذين يُنتهك حقهم في التعبير على الإنترنت بصورة دورية.

·        مراجعة التقارير القطرية السنوية الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية بشأن ممارسات حقوق الإنسان، وتعديل المادة 2 (احترام الحريات المدنية) لتشمل قسماً فرعياً حول انتهاكات حرية التعبير على الإنترنت.

إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي:

·        استخدام الصكوك التجارية الثنائية ومتعددة الأطراف ولا سيما بند حقوق الإنسان الوارد في اتفاقات التعاون المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وبلدان ثالثة وذلك بهدف الحد من الانتهاكات الواقعة على الحق في التعبير على الإنترنت.

·        بناءً على التحليلات التي تقدمها بعثات المفوضية الأوروبية، التوسع في توجيهات إرشادية لشركات التكنولوجيا المحلية لحثها على فرض القيود عند بيع التكنولوجيا التي يمكن استخدامها في كبح المعارضة على الإنترنت.

·        في إطار كافة التعاملات مع الدول التي تضايق المدونين أو تلاحقهم قضائياً، ينبغي على ممثلي الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء التحدث علنا لصالح الأفراد الذين يُنتهك حقهم في التعبير على الإنترنت بصورة دورية.

·        على لمفوضية الأوروبية تقديم الدعم للجماعات المحلية المُدافِعة عن حرية التعبير ولا سيما الحق في التعبير على الإنترنت، وذلك تمشياً مع الأداة الأوروبية للديمقراطية وحقوق الإنسان.

·        على الجنة الفرعية المعنية بحقوق الإنسان والتابعة للبرلمان الأوروبي أن تعقد جلسة لمناقشة حرية التعبير على الإنترنت وسماع شهادات من المدونين ولا سيما من أولئك القادمين من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وعلى البرلمان الأوروبي العمل على إصدار قرار للدفاع عن الحق في حرية التعبير، ولا سيما التعبير على الإنترنت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

مثل هذه المادة؟ دعم عملنا