المواطنون السوريون يصبحون صحفيين

بركوب المخاطر، يصبح السوري صحفياً

بقلم أوليفر هولمز

"هل تُطلِق النار علينا؟" سألتهم بينما كانت المروحية الهجومية التابعة للجيش السوري تطلق من ذخيرتها ذات الأثر الخطي الأحمر الملتهب طلقات ارتطمت بالأرض أمام قدمي مباشرة مثيرة في الهواء غباراً يغطي شوارع حلب. وكان يتوجب علي أن أجيب عن السؤال بنفسي فيما كنت اختبئ خلف محرك سيارة قديم -وهو أقرب شيء استطعت العثور عليه.

قمت بتغطية الانتفاضة السورية منذ بدايتها من خارج البلاد أغلب الوقت نظراً للقيود التي تفرضها الحكومة على تحرك الإعلام وللأخطار الماثلة على الأرض. وقد أعددت تقارير عن استهداف الصحفيين السوريين والأجانب بالقتل. وقد رأيت في حلب جثة صبي ممدة في الشارع أرداه قناص من الحكومة بطلقة في الرأس بينما كان يتجه إلى البيت عائداً من السوق. كما أنني تحدثت مع صحفيين سوريين تعرضوا للضرب حتى شارفوا على الموت من قبل قوات الأمن التابعة للرئيس بشار الأسد.

أجل، كانت تطلق النار علينا.

لقد خرج السوريون إلى الشوارع، وقد ألهمتهم موجة الربيع العربي التي اكتسحت الشرق الأوسط على نحو دراماتيكي، في آذار/ مارس 2011 للاحتجاج على أربعة عقود من الحكم القمعي لأسرة الأسد. وفي الأشهر التي تلت ذلك، أطلقت القوات السورية الرصاص على المتظاهرين السلميين مما أدى خسائر في الأرواح إضافة إلى أن بعض المتظاهرين فُقدوا بكل بساطة، حيث أخذتهم عناصر مخابرات الأسد المتواجدة في كل مكان. لقد منح الجنود المنشقون الذين رفضوا قتل أبناء شعبهم لهذه الانتفاضة جناحها العسكري مدعومين بالفلاحين المسلحين ببنادق الصيد. وردت الحكومة على ذلك بالمدفعية والقصف الجوي لضرب مجموعات الثوار المتموضعة في مناطق مدنية مثل تلك الضاحية المحرومة بحلب حيث هوجمت. إن الحرب الأهلية تحتدم في كافة أنحاء البلد على أوسع نطاق.

لقد غطيت الأخبار في كل من حلب ودمشق من كلا جانبي الصراع في سوريا - من الأراضي التي يسيطر عليها الثوار حيث المخاطر كانت شبه مانعة ومن العاصمة التي تديرها الحكومة حيث القيود المفروضة هناك تجعل من المستحيل الحصول على صورة مكتملة عن الأزمة. لم يكن يُنظر إلى الصحفيين في سوريا على أنهم مراقبين، فالآلة الإعلامية التابعة للأسد صورت الانتفاضة على أنها مؤامرة أجنبية ينفذها إرهابيون وأعلنت أن كل من ينتقد النظام هو إرهابي ويستحق الموت. النصيحة التي يتم توجيهها للصحفيين قبل دخولهم

زرت حلب، وهي مدينة آخذة في التمدد يقطنها 2.5 مليون شخص، في آب/أغسطس 2012 عندما كان نصف المدينة بيد الثوار. وفي الليلة التي سبقت مغامرتي بالدخول إليها، أُطلقت النار على الصحفية-التسجيلية اليابانية، ميكا ياماموتو، من مسافة قريبة فأرديت قتيلة على يد ميليشيات الحكومة لدى دخولها في المنعطف الخطأ. وقال زوجها، وهو مصور تلفزيوني، إن القتلة عرفوا أنها صحفية قبل أن يطلقوا النار عليها.

يصنف البحث الذي تجريه لجنة حماية الصحفيين سوريا اليوم على أنها أشد الأماكن خطورة في العالم على الصحفيين؛ فقد قُتل ما لا يقل عن 24 صحفياً كانوا يغطون أخبار الصراع من الفترة ما بين تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 وتشرين الأول/ أكتوبر 2012. وليست القوات الحكومية وحدها التي تقف وراء عمليات القتل تلك؛ فقد حُملت المسؤولية لقوى الثوار عن عدد متزايد من الهجمات على الصحفيين الذين كان يُنظر إليهم على أنهم موالون للحكومة.

كنت أقيم في بلدة يسيطر عليها الثوار شمال المدينة وتفصلها عنها مسيرة ساعة في السيارة بمعية مصور لديه شهية كبيرة لصور الخطوط الأمامية ومستشار أمني بريطاني ضخم الجثة وملفت لدرجة مثير للقلق في نظارته الشمسية من نوع 'أوكلي'. ولدى دخولنا حلب، وجدنا مدينة يجري تدميرها من رأسها إلى أخمص قدميها. أما البنايات متعددة الطوابق التي كانت توفر شيئاً من الحماية في الشوارع من تساقط قذائف المدفعية، فقد أُزيلت طابقاً بعد آخر بفعل القصف.

وعلى الرغم من وضعها كمنطقة حرب، كانت حلب لا تزال مليئة بالمدنيين. وقال بائع تبغ يعيش على بعد بضعه مئات من الأمتار من موقع القتال الدائر بين الثوار والجنود، "ربما كنا قادرين على مغادرة حلب، ولكن ماذا نفعل بعد ذلك؟ ليس معنا مال". شاهدت أمهات يرتدين الحجاب الأسود المحافظ وهن يسرن على جانب الشارع يتبعهن طابور من الأطفال الصغار بينما كانت قذائف الدبابات تنفجر غير بعيد مصدرة دخاناً أسود ينبثق على شكل وردة تزهر. فبعد أشهر من القتال بدا هؤلاء غير مبالين بوحشية الحرب.

أثناء الصراع في ليبيا قبل سنة، دمرت قوات حلف النيتو القوة الجوية التابعة لمعمر القذافي وبالتالي بوسع الصحفيين التقدم نحو أرض المعركة ومن ثم التراجع إلى مسافة أكثر أماناً. ولكن في هذه الحرب التي يشنها الأسد ضد أبناء شعبه، تقوم المقاتلات النفاثة والمروحيات بتدمير الأحياء السكنية في البلدات والمدن. يتحدث سكان حلب عن جواسيس للحكومة كانوا يبلغون عن مواقع الثوار ويرسلون المعلومات عن الصحافة الأجنبية في المدينة. لم يكن يوجد مكان واحد آمن.

لسوريا تاريخ طويل من القمع، فبعد سنة واحدة من تولي الرئيس الأسد السلطة خلفاً لأبيه عام 2000 أصدر قراراً يشرعن الإعلام الخاص، الذي كان محظوراً منذ عام 1963. إلا أن هذه الخطوة اعتبرت إلى حد بعيد خطوة شكلية في بلد تسيطر فيه الدولة على الإعلام بالترهيب والرقابة، أو من خلال الملكية بالوكالة. أعرف صحفيين سوريين تدربوا قبل الانتفاضة وكان يتم تعليمهم كيف يكتبون ويبثون الدعاية للإعلام الحكومي وليس النقد وكشف اللثام عن الحقائق.

مرشدنا في حلب، أبو زيد، كان واحداً من بين سوريين كُثر قرروا -في ظل غياب الصحافة الحرة- أن يصبحوا مواطنين صحفيين ويوثقوا الفظائع. إنه شاب كان في طريقة للانتهاء من درجة البكالوريوس في القانون الدولي عندما بدأت الانتفاضة. بدأ أبو زيد بتصوير الاحتجاجات في محافظة حلب عندما كانت الحكومة لا تزال تسيطر عليها.

وقال لي ذات صباح بينما كنا في رحلتنا اليومية بالسيارة إلى ما بعد المزارع عبر شوارع حلب المنبسطة "لقد منع النظام الصحفيين الأجانب من الدخول، وكان يتوجب عليّ أن أري العالم أن الشرطة كانت تطلق النار على المتظاهرين السلميين وتقتلهم". بعد سنة ونصف من القتال، تمكن الثوار من طرد القوات الحكومية من مسقط رأس أبي زيد الذي أصبح عندئذٍ صحفياً حربياً حيث كان يمضي أياماً وهو يصور أحداث الصراع في حلب. وبينما كنا نتحدث لاحظت أنه كان يحتفظ بمسدس يخفيه في مؤخرة بنطلونه الجينز.

وسألته "لم تحمل هذا؟" فقال "من باب الاحتياط" وعرض علي حمل المسدس خلال فترة وجودي في حلب.

ولما قلت له بنبرة الغلام المعتقد أنه أكثر استقامة من غيره "إذا حملت مسدساً فإنه يمكن اعتباري هدفاً عسكرياً وليس صحفياً"، انفجر ضاحكاً وقال "أنت هدف بأية حال". كان أبو زيد قد أُصيب ثلاث مرات قبل أن التقي به. وبعد أن غادرت سمعت أن رصاصة اخترقت كلتا ساقيه، ومع ذلك كان أبو زيد يضحك ليتجنب الحرج من الحديث عن نجاته بأعجوبة من الموت. لقد دُمرت حياته، شأنه شأن كثير من السوريون، بحرب انغمست فيها بلاده.

كثيراً ما كان يقول لي الثوار إنهم كانوا قبل التقدم نحو الخطوط الأمامية يصلّون ويطلبون من الله أن يهبهم الموت. وما أن نصل إلى هناك، حيث الجثث في الشوارع وقذائف الدبابات تضرب المباني وأزيز الرصاص يخترق الهواء، كنت أؤنب نفسي على التقدم مع أناس يبدو أنهم يريدون الموت. بعد ظهر أحد الأيام، تحدثت مع أحد الثوار المقاتلين، وكان يلبس زي التمويه ويضع عليه حزام ذخيرة، حول الدرع الذي أرتديه، فسألني الرجل "هل هو مقاوم للرصاص؟" ثم قال وهو يصوب بندقيته نحو صدري "دعنا نرى إن كان كذلك". وتسمرت مكاني مصدوماً بينما كان رجاله يضحكون. وسقطت قذيفة هاون في الجهة الأخرى من الشارع وسمعت أزيز شظية منها تمر قريباً من وجهي. أما هم فبالكاد جفلوا.

لم أكن أريد أن أموت، وكنت أريد من صديقي أبي زيد أن يظهر أي شعور بالامتنان لسلامته، أيضاً. ولكن من غير الموقف غير الآبه ذاك، أنى له العودة إلى العمل كل يوم في تلك المدينة.

بعد مغادرتي، اتصلت بصديقة لي وهي صحفية سورية من دمشق، وقلت وأنا أجلس منهكاً في غرفتي في أحد فنادق تركيا إن الوضع "في حلب سيء حقاً. فهل هذا هو الوضع في كل أنحاء سوريا الآن؟" لا تريد صديقتي -ككثير من السوريين- أن يتم التعرف على هويتها، فاتخذت لنفسها اسم ليلى. أخبرتني وكانت قد عادت إلى دمشق للتو من دير الزور، مدينتها الأصلية، الواقعة في الصحراء شرقي البلاد على مقربة من الحدود مع العراق، قائلةً إن "مدينتي أيضاً تتعرض للتدمير، أيضاً".

كنت قد التقيت بها قبل ذلك بسنة؛ أي بعيد أن بدأ الناس بالاحتجاج في مختلف أنحاء البلاد ابتداءً من المناطق الريفية ومن ثم إلى البلدات والمدن. لم يكن أحد يصدق أن ذلك سيحدث، فكثير من البلدان الشرق الأوسط كان لديه دوائر أمنية مهولة، لكن بشار الأسد، ومن قبله أبيه، أتقنا -حد الكمال- فن إسكات صوت المعارضة عن طريق الخوف.

كانت ليلى التي تخرّجت مؤخراً من الجامعة شخصية ذكية وواثقة. وكانت قد بدأت بالعمل في موقع إخباري مؤيد للحكومة ولكنها أخذت تتحرر من أوهامها ببطء حتى طُلب منها بهدوء ترك العمل. تعرفنا على بعضنا من خلال أصدقاء مشتركين وطلبت منها أن تعمل معي كمرافقة، وقد ساعدتني في العثور على أطباء عملوا على معالجة ضحايا تعذيب ومتظاهرين أصيبوا بطلقات نارية. كما استخدمت ليلى شبكة أصدقائها في أنحاء البلد لمعرفة ما كان يحدث خارج العاصمة.

عندما التقينا طلبت مني أن أعلمها كيف يعمل الصحفيون في الخارج. كانت تعلم أنها تمتلك موهبة جمع المعلومات وقالت إنها تريد أن تساعد بلدها، لكن أصدقاءها كانوا قلقين من جرأتها، حيث كانت تضع على صفحتها في الفيسبوك صور الرجال والنساء والأطفال الذين قُتلوا بالرصاص في المظاهرات. أما أنا فكنت قلقاً على علاقتنا المهنية كون ليلى تواجه خطر الاستجواب والسجن بسبب العمل مع صحفي أجنبي.

في بلد كسوريا يوجد فيه أكثر من 20 جهاز مخابرات، ينتشر آلاف المخبرين والشرطة السرية في الشوارع. إن في حضورهم الواضح بسترهم الجلدية وبناطيلهم بيجية اللون ووقفتهم المتكاسلة على زوايا الشوارع دلالة على أن افتقار عملاء الأمن لمسألة التكتم والسرية أمر مقصود؛ فالغاية من حضورهم هو بث الخوف في صفوف المدنيين العارفين تماماً أنهم خاضعين للرقابة المستمرة.

كنت قد دخلت سوريا بتأشيرة طالب تلك المرة بقصد القيام بعدد من المهمات بصفة مستقلة. كانت السلطات تضع القيود على الصحفيين الأجانب إما من خلال منع دخولهم أو بمنحهم زيارات قصيرة تحت إشراف حكومي صارم. أما الذين كان يُعثر عليهم وهم يغطون الأخبار بصورة غير قانونية فكانوا يتعرضون للاعتقال وفي أحيان للضرب. من منطلق الحذر من الشرطة السرية، كنت وليلى نلتقي بالمصادر في غرف مغلقة النوافذ. كانت التغطية المفتوحة مستحيلة كما أن الهواتف كانت مراقبة. لقد أجريت لقاءات هاتفية مع محطات بث إذاعي وتلفزيوني عبر سكايب باستخدام برمجيات تشفير في محاولة لإخفاء هويتي.

وكان المذيع يقول "ننتقل الآن للحديث مباشرة مع فارس أماتو الذي لا يمكنه ذكر اسمه الحقيقي لأسباب أمنية" قبل أن ابدأ بالتحدث عن الوضع في العاصمة. لقد اخترت الاسم المستعار لحماية نفسي والأشخاص الذين تكلمت معهم. لقد سمعت حكايات عن سوريين احتجزتهم الشرطة بعد أن كان الصحفيون صريحين أكثر من اللازم فيما يتعلق التحدث معهم. لم أكن أريد أن أشعر بتأنيب الضمير. كنت أتمنى لو أن بوسع المشاهدين رؤيتي، وأتخيل أنهم فكروا أني ذاك المراسل الأجنبي المعتاد وهو يقف في شارع مغبر وبيده مفكرته. لكن الواقع الحقيقي كان أبعد ما يكون عن ذلك، فقد كنت في كل مقابلة من المقابلات اختبئ ومعي كمبيوتري المحمول تحت بطانية سميكة مستلقياً هناك بملابسي الداخلية فقط والعرق يتصبب مني بغزارة بسبب حرارة الصيف. وفي تلك المساكن الآيلة للسقوط في أحياء دمشق القديمة المكتظة كان القلق يساورني من أن يسمع جيراني تلك الحوارات خلال الجدران الرقيقة.

لا تزال ليلى تعمل في دمشق، وهي مضطرة، شأنها شأن كثير من الصحفيين العاملين في مناطق تسيطر عليها الحكومة، للعمل بسرية وأن لا تترك وراءها أثراً. ومن خلال تواصلها مع عدد من المنظمات الإخبارية خارج البلاد، توفر ليلى الروايات المباشرة عن انتهاكات كل من الحكومة والثوار، مما يلبي الحاجة الشديدة إليها لقلة عدد المراسلين الأجانب على الأرض. لقد حولت الانتفاضة والحرب الأهلية في بلد مليء بجنون الشك والخوف ليلى إلى مراسلة -كما فعلت بأبي زيد. أن تتعلم المهنة أثناء القيام بها يعني أن تعمل باستمرار تحت الخطر، لكن ليلى وأبا زيد وكثيرين غيرهم هم من يبعث بالقصة إلى العالم في الخارج.

أوليفر هولمز، مراسل لوكالة 'رويترز' ومقره في لبنان. وقد عمل سابقاً كصحفي مستقل لصالح مجلة 'تايم' وصحيفة 'وول ستريت جورنال'. وقد عمل في بلدان مختلفة من الشرق الأوسط منها سوريا واليمن وليبيا.




عرض الشرائح: سنة في صور

Slideshow: Year in Photos